الحلبي
369
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة » قال ذلك جوابا لقول بلغه عن جمع من الصحابة ، ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر . وفي لفظ : وفرجه يقطر منيا ، أي قد جامع النساء . أي وفيه أنهم لا ينطلقون إلى منى إلا بعد الإحرام بالحج ، لأنهم يحرمون من مكة إلا أن يقال مرادهم أنا كيف نجامع النساء بعد إحرامنا بالحج وكيف نجعلها عمرة بعد الإحرام بالحج كما سيأتي في بعض الروايات . وعن عائشة رضي اللّه تعالى عنها قالت : « دخل عليّ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو غضبان ، فقلت : من أغضبك يا رسول اللّه أدخله اللّه النار ، فقال : أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ؟ » . وقوله صلى اللّه عليه وسلم : « لو استقبلت الخ » تأسف على فوات أمر من أمور الدين ومصالح الشرع ، كذا قال الإمام أحمد رضي اللّه تعالى عنه ، لأنه يرى أن التمتع أفضل . وردّ بأنه لم يتأسف على التمتع لكونه أفضل ، وإنما تأسف عليه لكونه أشق على أصحابه في بقائه محرما على إحرامه وأمره لهم بالإحلال . وقوله صلى اللّه عليه وسلم في الحديث الصحيح : « لو تفتح عمل الشيطان » محمول على التأسف على فوات حظ من حظوظ الدنيا فلا تخالف . ويروى « أنه صلى اللّه عليه وسلم لما بلغه تلك المقالة قام خطيبا فحمد اللّه تعالى ، فقال : أما بعد ، فتعلمون أيها الناس لأنا واللّه أعلمكم باللّه وأتقاكم له ، ولو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت هديا ولا حللت » وفي رواية : « قالوا : كيف نجعلها عمرة وقد سمينا الحج ؟ فقال صلى اللّه عليه وسلم : اقبلوا ما أمرتكم به ، واجعلوا إهلالكم بالحج عمرة ، فلولا أني سقت الهدي لفعلت مثل الذي أمرتكم به ، ففعلوا وأهلوا ، ففسحوا الحج إلى العمرة » وكان من جملة من ساق الهدي أبو بكر وعمر وطلحة والزبير وعلى رضي اللّه تعالى عنهم ، فإن عليا كرم اللّه وجهه قدم إلى مكة من اليمن ومعه هدي . وعن جابر رضي اللّه تعالى عنه : « لم يكن أحد معه هدي غير النبي صلى اللّه عليه وسلم وطلحة » وفي رواية : « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لعلي كرم اللّه وجهه : انطلق وطف بالبيت وحل كما أحل أصحابك ، فقال : يا رسول اللّه أهللت كما أهللت ، فقال له : ارجع فأحل كما أحل أصحابك ، قال : يا رسول اللّه إني قلت حين أحرمت : اللهم إن أهل بما أهل به نبيك وعبدك ورسولك محمد ، فقال : هل معك من هدي ؟ قال لا ، فأشركه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في هديه وثبت على إحرامه ، وهذا صريح في أن إحرامه صلى اللّه عليه وسلم كان بالحج . ويمكن الجمع بين رواية أن عليا قدم من اليمن ومعه هدي ، وبين رواية أنه لم يكن معه هدي بأن الهدي تأخر مجيئه بعده ، لأنه تعجل إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واستخلف على الجيش رجلا من أصحابه . ويؤيد ذلك قول بعضهم : كان الهدي الذي قدم به علي كرم اللّه وجهه من